عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
84
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
وركضوها إلى غاية المنى في ميدان السوق ، ونالوا بمواضى عزائم الهمم العوالي عزيز مكرمات مجد المعالي ، باجتلاء بيض عرائس الأنوار في جنات سرور معارف الأسرار ، بعد ما جاهدوا في سلوك الطريق عساكر الهوى لما عرضوا للصد والتعويق ، وذبحوا نفوس الهوى بسيوف المخالفة ، وطعنوا فرسان الطبع برماح ترك العادات السالفة ، وطهروا بماء الدموع الطهور نجاسات الذنوب والعيوب وسائر الشرور ، حتى صحت لهم العبادة المفتقرة إلى الطهارة كالصلاة ، وداووا قلوبهم من أمراض علل حب الدنيا وسائر الحظوظ والجاه ، وأحرقوا أشجار خبثها بنار حزن القلب الأواه ، وطيبوها بماء ورد الأوراد ، وأحيوا ميتها بذكر اللّه . وا عجباه ، كيف نعرف تلك المواهب والأحوال ولانتداوى من الداء العضال الذي بيننا وبينها حال ، فنبرأ مثلهم من الأسقام التي أمرضت منا القلوب ، ونصبر على مرارة المراهم التي صبروا عليها حتى نشفى مثلهم ، وتزول عنا علل العيوب ، لقد عجزنا وملنا إلى الهوى وإلف العادة ، ولم نخرج عن الرعونات والطباع التي خرج عنها السادة ، فلم نتعظ بوعظ ولم ننزجر عن نهى ، ولم نأتمر بأمر ، وذلك من سوء حظ أنفسنا ولم تساعدنا السعادة وإلا فنحن نعرف مراهم الداء التي تداوى بها السعداء ، وفيها قلت في بعض القصائد منشدا : فدرياق تقوى مع سفوف رياضة * ومع غارقون الذكر مغلى عزائم مراهم أسقام القلوب نوافع * بها برء معلول وإيقاظ ، نائم وأركان بنيان الرياضة عزلة * وجوع وصمت مع سهاد مداوم وليس طبيب في جميع الورى سوى * طبيب قلوب أو طبيب معالم فهذا يداوى الناس من داء جهلهم * وذهنا نأى عنه الذكا غير فاهم بفتق لرتق في غوامض مشكل * ورتق لفتق من طعان مخاصم عن السنة الغرا يذب مجاهدا * بأبيض مسلول من العلم صارم وهذاك يشفى قلب كل معلل * بداء هوى طبع النفوس الظوالم فيشتم طيبا فاح من جانب الحمى * لذلك مزكوم الهوى غير شامم وينظر نورا من جمال محير * ويسمع تكليما حلا من منادم ويطعم من طعم الهوى ما يشوقه * وليس بمشتاق له غير طاعم